Marrakech365

مقبرة الأشراف السعديين: دراسة تاريخية وإبيغرافية للمعمار الجنائزي

أضيف بتاريخ ٠٣/٢١/٢٠١٨
رباط الكتب - لوبنى زبير


يُعد كتاب حديقة الأموات: بحث في تاريخ مقبرة الأشراف السعديين بمراكش مساهمة متميزة في تاريخ مدينة مراكش بشكل عام وتاريخ العمارة الجنائزية بشكل خاص، وهو ليس الوحيد للباحث سمير أيت أومغار، بل له دراسات أخرى منها كتاب تاريخ مدرسة ابن يوسف بمراكش بالاشتراك مع الباحث رشيد العفاقي، كما له سلسلة من الكتيبات باللغة الفرنسية عن التراث المادي لمدينة مراكش، ألفها بالاشتراك مع باتريك ماناك Patrick Manac’h، صدرت عن متحف دار الصورة بمراكش. أما الكتاب موضوع القراءة فيتجزّأ إلى بابين اثنين، يحتوي كل واحد منهما على خمسة فصول.

أصَّل الباحث في الباب الأول الذي حمل عنوان “تاريخ عمليات الدفن في مقبرة الأشراف السعديين” بسرد تاريخي أنيق لتاريخ الدفن بمقبرة الأشراف السعديين، انطلاقا من مناقشة أصولها الموحدية، والبحث في تاريخ الدفن بها خلال الفترتين المرينية والهنتاتية، ثم بروزها في القرن السادس عشر، زمن حكم الأسرة السعدية، كمنشأة جنائزية ملكية، وانتهاءً بالفترة العلوية حيث ستتوقف عملية الدفن بالمقبرة في النصف الثاني من القرن 19م.

وناقش في الباب الثاني الذي اختار له عنوان “الأبنية الجنائزية في مقبرة الأشراف السعديين” مسألة “الاكتشاف” المؤرخة بسنة 1917م. كما تتبع تغير اسم المقبرة عبر مراحل تاريخية متميزة، وهو تَغير يعبر في نظرنا عن التطور المعماري للمنشأة. وقدّم الباحث على إثرها نصوصا تبين نظام زيارة المقبرة، وطرح افتراضات عن طقوس الدفن بها. وانتقل إلى وصف الأبنية الجنائزية وصفا معماريا تقنيا دقيقا، وحاول ضبط كرونولوجية تطورها؛ وهي محاولة تكميلية في رأينا لمحاولته الأولى الرامية للتأصيل لعملية الدفن. وقد رصد الباحث خلال محاولته هذه التغيرات الطارئة على مشهد بعض قاعات الدفن، إثر عمليات الإصلاح والترميم زمن الحماية الفرنسية على وجه الخصوص. وختم الباب بفصل ضمَّنه النصوص الكاملة للكتابات العربية المنقوشة على شواهد القبور وجدران قاعات المقبرة، وحرص في هذا الجانب، بالإضافة إلى رفع الكتابات، على تقديم وصف لها، يتضمن نوع الخط ونمط الزخارف المحيطة بها، والمادة التي نقشت عليها، والدراسات التي نشرت نصوصها من قبل.

وقد تخللت فصول البابين إشكالات مهمة، ارتبط بعضها بالأصل الموحدي للمقبرة الذي افترضه بعض الباحثين مثل هنري دوكاستر (Henry de Castries) وبيير دو سينيفال (Pierre de Cenival). واتصل بعضها الآخر بصحة الخبر الوارد عند محمد الصغير الإفراني حول قتل جميع بنات السلطان أحمد الأعرج، بحيث أكد الباحث اعتمادا على أحد شواهد القبور إفلات إحداهن من المذبحة، وتشييدها قبة على قبر والدها بضريح سيدي بن سليمان الجزولي. وكما فند بعض المزاعم المتصلة برغبة السلاطين العلويين (خاصة المولى إسماعيل) في طمس المعالم الدالة على عظمة الأسرة السعدية، نفى صفة “الاكتشاف” المنسوبة سنة 1917 إلى موريس ترونشون دولونيل (Maurice Tranchant de Lunel)، لكون المقبرة لم تكن مجهولة لدى المراكشيين والإخباريين المغاربة والأوربيين الذين اهتموا بوصف المدينة، كإدمون دوتي (Edmond Doutté) وطوما لوجوندر (Thomas Legendre)، هذا علاوة على أن فترونشون دولونيل لم يذكر كلمة “اكتشاف” وإنما “زيارة”.

وأبدى الباحث ملاحظات أخري  لا تخل من أهمية، منها:

توقف استعمال الرخام في شواهد القبور منذ دفن السلطان أحمد المنصور بالله وطيلة 17 سنة. وفسر ذلك بتراجع أو انعدام الحرفيين المتخصصين في نقش الرخام بمدينة مراكش نظرا للحروب المتوالية والجوائح المتراكبة.
إحالة بعض الصيغ المنقوشة على شواهد القبور على ما عرف به السلاطين والأمراء خلال حياتهم من ظلم وجور أو عدل واستقامة.
تفسير عدم توفر بعض قبور السلاطين على شواهد تخلد إنجازاتهم بعلاقتهم المتوترة خلال حياتهم مع خلفائهم، كما هو الشأن بالنسبة للسلطان الوليد بن زيدان مع خليفته محمد الشيخ الأصغر. كما يكشف هذا الأمر عن حالة الخلاف السياسي التي طبعت العلاقات البينية لخلفاء السلطان أحمد المنصور بالله.
وقد مكنت دراسة شواهد القبور من الكشف عن معطيات جديدة، لا ترتبط فقط بتاريخ ولادة بعض السلاطين وتاريخ وفاتهم الدقيق، بل وأيضا بحفظ أسماء شخصيات لم يرد ذكرها في المتون التاريخية. وقد كشف الباحث أيضا من خلال تتبع تنقل بعض شواهد القبور عن عمليات السرقة والنهب الذي تعرضت لها المعلمة التاريخية.

هذا، ولم يبخل الباحث على القراء بملحق قيم تضمن رسومات وصور متنوعة لمقبرة الأشراف السعديين، اعتمد في جمعها على الوثائق المحفوظة بأرشيف المغرب، وأرشيف متحف دار الصورة، وأرشيف المحافظة الجهوية للتراث الثقافي بجهة مراكش-آسفي، إضافة إلى أرشيفه الخاص.

نختم بالقول إن الكتاب قيم للغاية لتعدد المقاربات وأصالة المصادر المعتمدة وتنوع المراجع التي حاورها. هذا إلى جانب مزاوجته بين السرد والتحقيق التاريخي والوصف المعماري الدقيق. كما أن الباحث نهج مع نفسه نهجا صارما حذرا، بحيث لم ينجرف وراء استنتاجات صدرت عن باحثين متمرسين في الكتابة التاريخية إذا لم يجد ما يدعمها من شواهد نصية وأثرية. كما ترك عددا من الاستفسارات والأسئلة مفتوحة عند استعصاء الإجابة عنها لانعدام المادة التاريخية. وإن كانت هناك مآخذة توجه إلى الباحث فستكون مآخذته بعدم تخصيص المباني التاريخية العريقة الأخرى لمدينة مراكش بدراسة توازي دراسة “حديقة الأموات”.

سمير أيت أومغار، حديقة الأموات بحث في تاريخ مقبرة الأشراف السعديين بمراكش، مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والتوزيع، مراكش، 2017.


المصدر