Marrakech365

في ذكرى رحيل التشكيلي المغربي عباس صلادي

أضيف بتاريخ ٠٨/١٠/٢٠١٨
يابلادي


في استرجاع الذاكرة التشكيلية لعباس صلادي، لا بد من إحالتين اثنتين على الوجه البغيض للساحة الفنية والثقافية : خلافا لباقي الفنانين، لم يسبق لهذا التشكيلي المتميز أن توج مساره الفني بعرض فردي بالرواق الوطني باب الرواح، الرواق المزار في السبعينات والثمانينات. 

 هناك اليوم زمرة من "المثقفين المهتمين" التي لا تجد أدنى حرج في تحويل رمز فني بامتياز إلى مجرد رسم تجاري للاسترزاق به. 

بعد مرور عقدين على رحيلـه، من يذكر اليوم عباس صلادي، الاسم المقرون بأحد أهم المسارات التشكيلية المعاصرة  بالمغرب ؟ طبعا لا أحد... (إذا استثنينا القلة القليلة من معارفه).     

لقد اختار الرجل الرحيل عن الساحة الفنية بل وعن كل الساحات في غفلة من الجميع. كان ذلك في شهر شتنبر من سنة 1992 وعمره لا يتجاوز 32 سنة.

انسحب بهدوء ، في ما يشبه الاعتذار على الإزعاج...  

لنستحضر الوقائع.


ساحة تشكيلية مغربية في السبعينيات ، ترفل مزهوة بفنانيها ومنظريها و قناعاتها الراسخة بخصوص الفن "الجاد الملتزم "  بتمظهراته التجريدية وأدبياته التي لا يشق لها غبار في مواجهة "الابتذال والفلكلور ".

ثم فجأة ودون سابق إنذار ، يطلع على الملأ شخص نكرة بكل المقاييس ليقلب الطاولة على الساحة ومن فيها.

إنه "المدعو" صلادي ، الطالب الجامعي السابق بشعبة الفلسفة ، الذي لا تكوين له في الفنون بل ولا يفقه شيئا في التيارات التشكيلية المحلية والعالمية  - كما يقر هو -  والذي ، رغم ذلك ، لم يجد أي حرج في الإعلان عن نفسه بقوة ، ضدا على الساحة الفنية وفرسانها الأشاوس.

أولا وبطريقة غير مسبوقة ، بعرض أولى أعماله مباشرة بساحة على طرف نقيض من الأولى في كل شيء ، ساحة جامع الفنا بمراكش، مسقط رأسه.

طبعا هذه ليست مفاضلة من قبل فنان يافع و مهمش بقدر ما هي ضرورة قصوى حتمت عليه فعل ذلك. خطيئة و لا أفظع ، يجمع أعضاء الأنتليجانسيا المركزية هناك بالعاصمتين الرباط  والدار البيضاء.

كيف لكل من هب ودب أن يزج بالفن إلى هذا الحضيض ، في محشر لا يمت للتشكيل بصلة ، وسط خضم من الفرّاشة والمشعوذين و الحلايقية و الفرق الفلكلورية و السياح والمتسكعين والنشالين...؟ يتساءل هؤلاء. ليخلصوا جازمين أن ما يتم عرضه من أعمال فنية في مكان كهذا وفي ظروف كهذه لا يمكن أن يكون ذا قيمة ما ، بل هو مجرد خربشات لمتطفل على الميدان، ليس إلا.                                   

بينما في مقابل ذلك كان هاجس الفنان عباس صلادي  - العليل منذ طفولته – هو إنعاش أحاسيسه بالمشاهدة والاستبطان، كما يقول ، ومن تم ، بعد فترة اختمار وتأرجح بين مد وجزر ، ترجمة إلهاماته إلى لوحة فنية. ثم أخيرا بيع أعماله ولو بدراهم معدودة لإعالة أسرته الصغيرة ، الأم والأخت اللتان كانتا تتوليان عرضها على المارة بجامع الفنا.

ثاني "خطيئة " صلادي لوحاته المتفردة بمضمونها الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال القبض على ناصيته لحشره رأسا في تيار ما أو مدرسة ما.

رسما أو صباغة مائية ، لا مجال هنا للحديث عن تشخيص أو تجريد أو انطباع أو ما شابه ، بل عن تجربة فنية تميز صاحبها وتعطيه كامل الصلاحيات ليأخذ ما له حيثما وُجد (على حد قول الشاعر الفرنسي كييوم أبولينير).

يستلهم صلادي موضوعاته من الذاكرة الشعبية ، آلياته التشكيلية في ذلك ثنائية التأرجح المتعمٌد بين ما هو ساذج (بالمفهوم الفني حسب منظر التيار دوانيي روسو الذي يرفض الانصياع لقواعد التشخيص الصارمة( وما هوسوريالي، يعتمد تلقائية  الرؤى والحلم في بلورة عوالم اللوحة ، مع الحرص على دقة صياغة التركيبة التشكيلية.

وبذلك تفرد اللوحة لواقع آخر، واقع يرتفع بكائناته "الأنفوية"، بأنثاه اللغز، بطائره الإيزوردي، بزليجه الضارب في النصاعة، بألوانه الموغرة ، بكثافة خطوطه وأحجامه ،  بغلوه، ببذخه، بوقاحته....

وما على الرائي هنا (وليس "المتلقي"...) إلا أن يختار أين يكون ، داخل اللوحة أم خارجها، أما صاحب العمل فقد قال كلمته المدوية وانصرف.

المصدر